رمضان في دمشق: عادات صامدة وتراجع في تقاليد بسبب الغلاء
تعج الأسواق الدمشقية بالمتسوقين الباحثين عن حاجيات شهر رمضان من مواد غذائية وحلويات ومشروبات تقليدية، وسط أجواء مفعمة بالحيوية وأضواء الفوانيس. وبينما يتهافت الأطفال على بسطات المشروبات والمأكولات الرمضانية، يلتفت الكبار إلى عروض الأسعار، وفي مشهد ملؤه الحياة يتبادل الأقارب والغرباء المعايدات والتبريكات بمناسبة حلول الشهر المبارك.
وفي هذا السياق، كشفت تقارير صحفية عن صمود بعض العادات الرمضانية الأصيلة في المجتمع الدمشقي، بينما تراجعت عادات أخرى تحت وطأة التحولات الاقتصادية، واندثرت عادات أخرى بسبب التطور التكنولوجي وغياب دورها الوظيفي.
في الأحياء الدمشقية، ما يزال شهر رمضان يحضر بوصفه موسما اجتماعيا استثنائيا، إلى جانب كونه شهرا دينيا للتقرب من الله والعبادة، إذ يحرص الأقارب خلاله على تبادل الدعوات إلى موائد الإفطار. وتعتبر عادة "اللمة على الإفطار" من أبرز العادات التي حافظت على نفسها في سوريا عموما ودمشق خصوصا، حيث تمثل فرصة لإعادة توطيد العلاقات بين الأقارب وممارسة أنشطة مشتركة كالإفطار في أحضان الطبيعة ببساتين غوطة دمشق.
وحول العادات المرتبطة بمائدة الإفطار، قال الحاج أبو كرم، حلونجي في سوق الجزماتية، إن هناك الكثير من العادات الرمضانية التي ترتبط بتفاصيل المائدة اليومية ما تزال حاضرة إلى يومنا. وأضاف أبو كرم أن من بين هذه العادات ما يعرف بـ"تكميلة الإفطار"، وفيها يقدم صحن حلو عربي مشكل أو "أرغفة الناعم" بعد وجبة الإفطار، إلى جانب مشروبات تقليدية مثل العرقسوس أو التمر الهندي.
وأشار أبو كرم إلى أن سوق الجزماتية المشهور بـ"مطبخ الشام"، يشهد خلال رمضان انتشار بسطات الناعم والمعروك ومشروبات التمر الهندي والعرقسوس وغيرها من المنتجات المرتبطة بعادة تكميلة الإفطار. وأضاف الحلونجي الستيني أنه وزملاءه في الجزماتية يحرصون على تقديم أصناف جديدة مرتبطة بهذا الشهر خصيصا، مثل "المغشوشة" و"النقش" و"الغريبة بالقشطة"، وجميعها حلويات رمضانية ما عدا النمورة التي صارت مؤخرا تباع على مدار العام.
من جهته، أكد أمجد القصيباتي، أحد سكان حي الميدان الدمشقي، استمرار أهالي الشام على تقليد "تبييض السفرة" في الأيام الأولى من رمضان، وهو تقليد تقوم العائلات الدمشقية باتباعه من خلال إعداد أطباق اللبن المطبوخ، مثل الشاكرية والكبة اللبنية والكوسا باللبن، بوصفها فأل خير ببداية الشهر الكريم. ولفت أمجد إلى أن عادة "تكريزة رمضان"، وهي اجتماع الأقارب في الأيام الأخيرة من شعبان على الموائد، ما تزال حاضرة في المجتمع الدمشقي.
على الجانب الآخر، أشار أمجد إلى أن بعض التقاليد الاجتماعية تراجعت خلال سنوات الحرب، وفي مقدمتها عادة "السكبة"، وهي تبادل أطباق الإفطار بين الجيران. وعزا هذا التراجع إلى الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما قلص قدرة كثير من الأسر على إعداد كميات إضافية من الطعام أو المشاركة في طقوس كانت تعكس سابقا روح التكافل والتواصل بين سكان دمشق. ومع ذلك، أوضح القصيباتي أن جوهر العادات الرمضانية الدمشقية ما يزال قائما، ولو بأشكال أبسط تتكيف مع الواقع المعيشي الجديد.
وبالرغم من محافظة المجتمع الدمشقي على عدد من العادات والطقوس المرتبطة بالشهر الفضيل، إلا أن تقاليد أخرى أخذت بالتراجع لأسباب متباينة. وفي هذا السياق، أشارت أمل جبان، مدرسة من سكان حي باب سريجة بدمشق، إلى أن عددا من العادات الرمضانية التي شكلت جزءا من هوية المدينة "الاجتماعية" تراجعت أو اندثرت مع سنوات الحرب. وأوضحت جبان أن "لمة العائلة" حول مائدة الإفطار، والتي كانت تمثل أحد أبرز ملامح رمضان في دمشق، لم تعد كما كانت في ظل موجات الهجرة الواسعة التي شهدتها المدينة في سنوات الحرب، وتفرق الأقارب بين الداخل والخارج.
من جهته، تحسر عهد عيسى، تاجر ألبان وأجبان من مواليد دمشق وسكان ريفها، على اندثار ظاهرة "المسحراتي" الذي كان يطوف الأزقة ليلا مرتديا زيه التراثي، حاملا طبلته، ومناديا بأسماء السكان لإيقاظهم للسحور مع جملة "اصحى يا نايم.. وحد الدايم". واعتبر أن التكنولوجيا الحديثة كانت سببا أساسيا في اندثار هذا التقليد العريق.
وتستمر تقاليد الإنشاد الديني في المساجد مع اقتراب الشهر الفضيل وفي أيامه الأولى، ولا سيما في الجامع الأموي، حيث يجتمع المنشدون لتقديم وصلات إنشادية قبيل السحور. وفي المقابل، تراجعت موائد الإفطار الجماعية في الحارات الدمشقية القديمة مقارنة بالماضي، غير أن المبادرات الخيرية ما تزال حاضرة. كما تبقى الزينة جزءا ثابتا من صورة المدينة في رمضان، إذ تتزين الأزقة بالفوانيس وحبال الأضواء احتفاء بقدومه.
ويعكس رمضان في دمشق اليوم مزيجا من الاستمرارية والتغير، إذ تتراجع بعض الطقوس التقليدية تحت ضغط الظروف، فيما تبقى أخرى صامدة بوصفها جزءا من الذاكرة الجمعية للمدينة.