رمضان في العراق: طقوس متوارثة وعادات توحد العراقيين

بغداد - مع حلول شهر رمضان المبارك، ينطلق العراقيون في رحلتهم السنوية التي تمتد لثلاثين يوما، حيث تتنوع الطقوس والعادات التي يرونها فرصة لتجديد الروح الاجتماعية والإيمانية التي قد تتأثر بضغوط الحياة طوال العام.

قال الحاج عبد الكريم أحمد، واصفا أجواء الشهر الكريم في بغداد، إنها فرصة لتجديد الروح والإيمان والحياة الاجتماعية، وأضاف أن طقوس رمضان وعاداته تنتظرها العوائل العراقية كل عام بشوق، مؤكدا أنه لا يمكن مقارنة أجواء الشهر الفضيل ولياليه ببقية أيام السنة.

أضاف الحاج عبد الكريم أن الشهر يمثل فرصة ذهبية لجميع الأجيال لإعادة استكشاف الموروث العراقي بكل ما يشمله من أجواء روحانية، واجتماعات عائلية، وتزيين للطرقات، وأصوات للصلوات في المساجد، بالإضافة إلى المطبخ الرمضاني العراقي المتميز بأكلاته وحلوياته الخاصة.

تتنوع العادات الرمضانية في العراق بين ألعاب قديمة وأخرى حديثة، ولعل أهم ما ارتبط بالموروث الشعبي العراقي هو لعبة "المحيبس"، التي تمتد جذورها إلى العهد العباسي، وذلك وفقا لما أكده رئيس اتحاد اللعبة جاسم الأسود.

أوضح الأسود أن هذه اللعبة تتخللها مسابقات بين فرق شعبية من أحياء مختلفة، غير أنها تُلعب أيضا ضمن العائلة الواحدة خلال السهرات الرمضانية.

يرى الشاب البغدادي محمد علي أن العادات الرمضانية للشباب تبدأ عادة من بعد الإفطار وحتى ما قبل موعد السحور بقليل، وتتخللها مختلف الألعاب والفعاليات.

بين علي أن بعض الشباب يمارسون لعبة "المحيبس"، بينما يفضل آخرون الاجتماع في المقاهي للعب "الدومنة" أو "الطاولة"، التي يرجع تاريخها إلى حضارات العراق القديمة.

عادة ما تجد العوائل العراقية في الشهر الفضيل فرصة لاجتماع أفرادها، نظرا لما يوفره موعدا الإفطار والسحور من توقيتات مقدسة، إضافة إلى أوقات ما بعد الإفطار، التي يعدها العراقيون فرصة للتنزه واصطحاب الأطفال إلى الحدائق العامة والبازارات والمتنزهات لرؤية مدافع الإفطار والزينة الرمضانية.

في الأزقة القديمة لكثير من المدن العراقية، يظهر المسحرجي كظاهرة مرتبطة بالشهر الفضيل، وهو ما يراه الشاب الموصلي عمر أكرم موروثا شعبيا قديما يضفي على رمضان نكهة خاصة، لاسيما عند الأطفال.

في مدينة الموصل، عادت منذ سنوات موروثات شعبية عديدة منها جلسات الحكواتي الذي يروي القصص والأساطير القديمة في بعض المقاهي الشعبية.

لا تقف العادات الرمضانية في العراق عند الألعاب الشعبية والسهرات، فالروح الإيمانية تتجلى في هذا الشهر في غالبية المدن العراقية، لاسيما مع امتلاء المساجد بالمصلين في صلاة التراويح واصطحاب الأهالي للأطفال لتعريفهم بالسلوكيات الإيمانية والشعائر الفضيلة.

عادة ما تكون المساجد القديمة عنوانا لهذه التجمعات، كما في جامع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ببغداد والجامع النوري الكبير في الموصل الذي أُعيد افتتاحه هذا العام بعد إعماره.

يرى الشيخ محمد قاسم، إمام أحد مساجد الموصل، أن الشهر الفضيل يعد فرصة لتجديد الإيمان والسمو الروحي والأخلاقي، وتذكيرا للكبار وتعريفا لليافعين بفضائل شهر رمضان، وذلك عبر المحاضرات الرمضانية التي تُلقى عادة بين صلاتي العشاء والتراويح.

تمتد روحانيات رمضان في العراق من المساجد إلى التكافل الاجتماعي، الذي يظهر في أبهى صوره خلال أيام الشهر الفضيل، إذ اعتادت الأسر تبادل أطباق الطعام فيما بينها، حتى يكاد البيت الواحد يجد على مائدة إفطاره أصنافا عديدة أعدها الجيران وتبادلوها كجزء من تقاليد "المائدة المشتركة".

اعتاد العراقيون منذ عقود على إخراج زكاة أموالهم خلال الشهر الفضيل، وهو ما يؤكده الشيخ محمد قاسم بالقول إنه رغم أنه لم يرد في السيرة النبوية ما يشير إلى تحديد وقت إخراج الزكاة بشهر رمضان، إلا أن كثيرا من العراقيين يؤدونها في هذا الشهر انطلاقا من روح التكافل الاجتماعي وسعيا لإعانة الأسر المتعففة وتوفير احتياجاتها لرمضان ولعيد الفطر أيضا.

يرى العم خضر الزبيدي (72 عاما) أن العراق، ورغم ما شهده من ظروف طيلة العقود الماضية، يظل الشهر الفضيل فيه عنوانا للتآخي وبث روح الوحدة والألفة بين مختلف مكوناته.

يستشهد الزبيدي بمشاهد من هذه الألفة في توزيع السلال الغذائية الرمضانية والإعانات المالية، التي عادة ما توضع في مغلفات ويحرص أصحابها على إيصالها للأسر المتعففة في المناطق الفقيرة، مع إصرار المتبرعين على إبقاء هويتهم طي الكتمان.

يزخر المطبخ العراقي بتنوع كبير في وقت الإفطار سواء من حيث المأكولات الشعبية أو الحلويات التي اشتهرت بها البلاد على مر العصور، حيث يتنوع هذا الموروث الشعبي في الطعام وتختلف مكوناته ووصفاته بين مدينة وأخرى.

في العاصمة مثلا، يزخر المطبخ البغدادي بالعديد من أصناف الطعام الشهية، حيث تأتي في مقدمتها شوربة العدس والدولمة ومرق البامية وتشريب الدجاج واللحم وكبة الأرز والبرياني والكباب بأنواعه المختلفة والسمك المسكوف.

في حين يزخر المطبخ الموصلي بأكلات شهية أخرى لعل أهمها الدولمة الموصلية وكبة السراي والكباب والطرشانة المعروفة في الموصل بـ(القيسي)، فضلا عن شربت الزبيب الشهير والطرشي الموصلي.

بالاتجاه جنوبا، تعرف محافظات جنوب العراق بالعديد من الأطباق الرمضانية اللذيذة التي تبرز منها القيمة النجفية والمسكوف ومطبق السمك على الأرز والثريد والطرشي النجفي الشهير والدهين.

في البصرة، يضاف إلى هذه الأصناف النجفية أكلة المسموطة المتكونة من السمك المطهي بطريقة فريدة، إضافة إلى المقلوبة البصرية ومختلف أنواع الأسماك البحرية التي تعكس هوية البصرة المطلة على الخليج العربي.

يشير تنوع الفعاليات الرمضانية في العراق ما بين عادات وتقاليد وألعاب وموروث شعبي على موائد الإفطار إلى خصوصية البلاد وتفردها عن غيرها من الأمصار، فتنوع حضارات ما بين الرافدين وامتدادها لآلاف السنين قبل الميلاد أتاح للعراقيين في رمضان فرصة للتعبير عن موروثاتهم الشعبية في العادات والطعام والشراب بعد أن تناقلوها جيلا بعد جيل.