اغتيال ملك النفط يكشف امبراطورية جرف الصخر في العراق
كشفت عملية اغتيال غامضة طالت قياديا في فصيل عراقي، وقعت مؤخرا في خضم الحرب الدائرة على ايران، عن تفاصيل مثيرة تتعلق بتجارة النفط التي تديرها ما يسمى بـ "امبراطورية جرف الصخر" جنوب بغداد، وذلك وفقا لرواية مسؤولين ومصادر محلية.
أفاد هؤلاء المسؤولون بأن "حدثا كبيرا" قد أسفر عن اغتيال شخصية قيادية يكنى بـ "ابو سيف"، مبينا أنه "المسؤول الاول عن ادارة الانشطة التجارية المتعلقة بالنفط الخام المهرب وتكريره وبيع مشتقاته".
أشار المسؤولون، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم نظرا لحساسية الامر، الى أن القيادي المعروف باسم "ابو سيف" ربما استهدف بطائرة مسيرة بالتزامن مع التصعيد الامني في العراق، على خلفية الحرب على ايران.
ويعتقد أن الولايات المتحدة أو اسرائيل قد نفذت العملية، وذلك في ظل التحليق المكثف للطيران العسكري بمختلف انواعه فوق مناطق عدة من العراق، والذي استمر طوال الاسبوع الماضي، وتقول مصادر إن هذا التحليق كان يهدف الى رصد جماعات وافراد انخرطوا بالفعل في الحرب.
ومنذ اذار الماضي، تحولت سماء العراق الى مسرح صاخب لتحليق المسيرات والمروحيات القتالية والصواريخ، من اطراف النزاع الاقليمي، وتحديدا الولايات المتحدة واسرائيل من جهة، وايران ووكلائها في العراق من جهة أخرى.
تقول المصادر إن "ابو سيف" شخصية غامضة تعمل خلف الكواليس، موضحة أن مسيرته بدأت كواحد من عناصر ميليشيا "جيش المهدي" التابع لمقتدى الصدر، قبل أن ينشق مع اخرين من اقرانه لينضموا الى فصائل أخرى بات نفوذها اليوم قويا.
وقد تحول الرجل خلال السنوات العشر الماضية الى نقطة مركزية لادارة عمليات خاصة للفصائل المسلحة، تتركز على تجارة النفط وانشاء شبكات مصالح مع وسطاء من محافظات عراقية شمال وغرب العراق، وذلك لاستخدامهم للتمويه على انتمائه الفصائلي في ما يعرف بـ "سوق الظل الكبير" للنفط في العراق.
ووصف رجل مطلع على سوق النفط الموازية في العراق "ابو سيف" بأنه أحد "اعصاب الاقتصاد الموازي للجماعات الموالية لايران".
ومع تعاظم التجارة التي يديرها بعناية وحذر، وتوسع الشبكة التي تنفذ اعماله من تصفية النفط وتكريره وبيعه للسوق المحلية أو ارساله الى كردستان العراق، تحول "ابو سيف" الى أحد "ملوك النفط" في العراق، وفقا للمصادر.
كشفت المصادر أن شبكة الرجل تستحوذ منذ سنوات على مجموعة من "المصافي المتنقلة" المعروفة محليا باسم "الافران"، مبينة أنها تقوم بانتاج المشتقات النفطية من النفط الخام المسحوب من ثقوب وفتحات غير نظامية في انابيب نقل النفط الخام.
يشرح مهندس نفط سابق الوظيفة التي تقوم بها "الافران" أو المصافي المتنقلة بأنها "وحدات تكرير صغيرة مصممة لتكون سهلة النقل والتركيب، وتعتمد على التقطير البسيط، وتتكون من صهريج التسخين وابراج التقطير المصغرة ونظام التبريد وخزانات التجميع، حيث تنتهي العملية الى بنزين وكيروسين وديزل ومنتجات أخرى في خزانات منفصلة".
تحقق هذه العملية البدائية ارباحا طائلة، على الرغم من أنها تفتقر الى معايير السلامة والبيئة، مما يجعلها عرضة للانفجار وتسبب تلوثا شديدا، ويقول المهندس النفطي إن الوقود الناتج يكون غالبا ذا جودة رديئة تضر بمحركات السيارات.
تؤكد المصادر أن الاستدلال على عمل "الافران" يكون من خلال الاثر الذي تتركه، مبينة أنها تترك "بقعا سوداء" مدمرة للتربة والمياه الجوفية في المناطق التي تنصب فيها.
قالت مصادر امنية إن "الافران" خدمت في مناطق شهدت اضطرابات امنية بعد عام 2014، مبينة أن جماعات مسلحة ومهربون استخدموها لتكرير النفط المستخرج من الابار النفطية الصغيرة أو "المثقوبة" من الانابيب الرئيسية.
تستند هذه الرواية الى مقابلات اجريت عن بعد مع مصادر امنية ومحلية، غير أن التحقق الميداني منها يبقى صعبا، نظرا الى القيود المفروضة منذ سنوات على دخول جرف الصخر، التي لا تزال مغلقة الى حد كبير امام الصحافيين والباحثين.
تعتبر بلدة جرف الصخر جنوب بغداد إحدى أبرز المناطق التي ازدهرت فيها أنشطة "الافران" النفطية، حيث تمر عبرها انابيب نفطية استراتيجية تربط بين الحقول الجنوبية والمصافي والمحطات الشمالية والوسطى.
تحولت جرف الصخر الى أحد أهم معاقل الفصائل العراقية منذ عام 2014، حين بدأت عمليات عسكرية لاستعادة البلدة الزراعية من تنظيم "داعش"، ومثلما نجحت الفصائل الشيعية في طرد عناصر التنظيم، اجبرت نحو 120 الفا من المدنيين على مغادرتها.
في السنوات اللاحقة، تحولت البلدة التي كانت تعتمد منذ التسعينات على زراعة المحاصيل الزراعية الى مركز معقد لادارة العمليات العسكرية والاستخبارية للفصائل المسلحة.
في هذه المزارع، وجدت الفصائل المسلحة موقعا امنا لاخفاء "الافران" واسطول من الصهاريج والمعدات التي يشغلها عاملون ذوو خبرة في وظيفة لا يتقنها الا الخبراء النفطيون، وفقا للمصادر.
تكشف المصادر الطريقة التي تعمل بها شبكة "ابو سيف"، مبينة أن المنتجات المكررة تنقل عن طريق "الافران" الى صهاريج خاصة لا تحمل "برقيات" ترخص حركتها، متجهة الى مصاف أهلية أو مؤسسات لديها عقود تشغيلية مع الحكومة تتطلب استهلاكا اساسيا لمشتقات النفط، مثل الاسفلت.
في الظروف الطبيعية، يتوجب على ناقل المشتقات النفطية حمل اوراق ثبوتية من بينها "برقية" تساعده على اجتياز نقاط التفتيش النظامية بين المحافظات العراقية، الا أن "ابو سيف" كان يمتلك النفوذ الكافي لنقل المنتجات وتسليمها من دون اعتراض جهات امنية وحكومية.
تقول المصادر إن العشرات من المقاولين والوسطاء يشكلون جيشا من العملاء الذين يخدمون "ملك النفط"، موضحة أنهم يتولون تنفيذ المراحل المختلفة من العملية، بدءا من تشغيل "الافران" ونقلها، وانتهاء بتوزيعها على المعامل والمصافي، لكن اللافت أن عددا كبيرا منهم ينشطون في مدن شمال العراق وغربه.
قبل اغتياله الغامض بنحو شهر، كان "ابو سيف" قد انجز صفقته الاخيرة، تفيد المصادر بأن "ملك النفط" تمكن مع شبكته من بيع نحو 600 الف طن من منتجات النفط بقيمة 120 مليون دولار، نصفها تقريبا مبيعات للسوق المحلية.
ليس من الواضح حتى الان كيف تجمع الشبكة اموالها واين تودع، لكن المصادر تقول إن قيمة الصفقات التي يبرمها "ابو سيف" تعد ارباحا صافية بسبب سحب النفط من الانابيب مجانا بطريقة غير شرعية.
غالبا ما تعلن السلطات الامنية في العراق عن تفكيك "مواقع لتدوير وتهريب المشتقات النفطية" وضبط صهاريج ومصاف غير قانونية في انحاء متفرقة من البلاد، وفي بعض تلك الحالات تظهر التحقيقات الاولية أن الشبكة تتألف من مجموعات صغيرة يقودها تاجر نفط ومشغلون وضباط امن وجيش متورطون.
منذ عام 2018، بدأ اقتصاد النفط المهرب من قبل الميليشيات العراقية يلفت اهتمام الوكالات الاميركية، حيث فرضت واشنطن عقوبات على شخصيات وشبكات عراقية تتهمها بالضلوع في اقتصاد الفصائل، ومن ابرز الاسماء رجل الاعمال سالم احمد سعيد الذي ادرجته وزارة الخزانة الاميركية بتهمة ادارة شبكة شركات باعت النفط الايراني على انه نفط عراقي، مستخدمة شركات واجهة وعمليات نقل بين السفن لاخفاء مصدر الشحنات.
كما فرضت واشنطن عقوبات على رجل الاعمال وليد خالد حميد السامرائي لاتهامه بادارة شبكة ناقلات وشركات شحن استخدمت لتهريب النفط الايراني وخلطه بالنفط العراقي قبل تسويقه في الاسواق الدولية.
تقول المصادر إن "ملك النفط" يصدر كميات كبيرة من المشتقات الثقيلة أو زيت الوقود الاسود الى شبكات اقليمية متعاونة، تقوم بخلطها مع نفط ايراني وتسهيل تصديره بكميات اكبر بوثائق شحن مختلفة.
تعتقد المصادر أن عملية اغتيال "ملك النفط" في غمرة الحرب على ايران جاءت نتيجة انخراطه، على الارجح، في انشطة عسكرية بدأت تتصاعد ضد المصالح الاميركية من داخل بلدة جرف الصخر.
أفادت مصادر سياسية بأن جماعات شيعية مسلحة حصلت، في اعقاب مقتل المرشد الايراني، على اوامر من "الحرس الثوري" الايراني للقيام بعمليات عسكرية تستهدف "الحاق الضرر بالولايات المتحدة وحلفائها" واختيار "اكثر الاهداف اهمية".
على الرغم من أن "ابو سيف" كان مسؤولا عن تجارة النفط وتوزيع "الافران" واخفائها في مزارع جرف الصخر، فإن اغتياله جاء بعد التشابك بين مهامه التجارية واوامر بتنفيذ مهمات عسكرية، يرجح أنها شملت انشطة مسيرات ملغمة انطلاقا من البلدة.
تعكس هذه الادوار المركبة كيف تمكنت الفصائل العراقية من انشاء امبراطورية شبه متكاملة داخل جرف الصخر تقوم بوظائف امنية واقتصادية معقدة.
تضم هذه الامبراطورية السرية مخازن صواريخ ومسيرات ومعامل لاختبار وصناعة متفجرات محلية، الى جانب مزارع وبحيرات اسماك ومصاف متنقلة ومراكز قيادة ومعلومات وسجون محصنة، وتعمل المنطقة عموما كمقرات اقليمية بديلة لوحدات من "حزب الله اللبناني" ومستشارين من "الحرس الثوري" الايراني.