مساجد ليبيا التاريخية تحيي طقس ختم القران في رمضان

مع بداية شهر رمضان في ليبيا، تزدان المساجد وتتحول إلى أماكن نابضة بالحياة الروحانية، حيث يصدح صوت الأئمة وتتلاقى أصوات المصلين في صلاة التراويح والقيام. في هذا الشهر الفضيل، تتجلى الروحانية في أبهى صورها، وتتجسد الوحدة والتآخي بين المسلمين. نسلط الضوء على خمسة من أبرز المساجد في ليبيا، والتي اكتسبت شهرة واسعة بفضل كثافة الحضور فيها، والأداء الصوتي المؤثر للأئمة، والتنظيم الدقيق لختم القرآن الكريم كاملا خلال شهر رمضان المبارك.

مسجد الصحابة في درنة: إرث تاريخي وروح جماعية

يبرز مسجد الصحابة في مدينة درنة كشاهد على التاريخ الديني والوطني للمدينة. شيد المسجد في القرن الحادي عشر الهجري، وأعيد بناؤه في عام 1970 بمبادرة من أهالي المدينة، واستغرق بناؤه خمس سنوات، ليصبح معلما بارزا من معالم درنة. يضم المسجد رفات 77 صحابيا، من بينهم زهير بن قيس البلوي وأبو منصور الفارسي، الذين قدموا فاتحين إلى برقة بعد دخولها الإسلام، ليصبح المسجد مرجعا روحيا واجتماعيا للمدينة.

تعرض المسجد لأضرار بالغة نتيجة الفيضانات التي اجتاحت درنة في سبتمبر 2023، إثر إعصار دانيال وانهيار سدي المدينة. لكن سرعان ما أعيد ترميمه ليستعيد دوره في استقبال المصلين. يتولى الشيخ عبد الحميد طرفاية حاليا إمامة المسجد، الذي يشهد خلال شهر رمضان توافدا كبيرا في صلاة التراويح، مما يعكس ارتباط أهالي درنة الوثيق بمسجدهم، رغم كل الظروف.

مسجد مولاي محمد في طرابلس: أجواء روحانية في العاصمة

يقع مسجد مولاي محمد في قلب العاصمة طرابلس، على امتداد شارع الزاوية، ويعد من أقدم المساجد خارج أسوار المدينة القديمة. يعود تاريخه إلى حوالي أربعة قرون، وقد أعيد بناؤه وتوسعته في عام 1973، ثم افتتح في 27 رمضان 1393هـ. يتناوب على إمامة المصلين في رمضان عدد من المشايخ، من بينهم الشيخ أسعد عبد السلام والشيخ أحمد بورقيقة والشيخ مراد الهمالي، الذين يتميزون بأداء صوتي مؤثر يجذب آلاف المصلين. وتنقل صلوات التراويح أحيانا عبر وسائل إعلام محلية، مثل قناة ليبيا الرسمية، مما يعزز من حضور المسجد في المشهد الرمضاني.

مسجد الزروق في مصراتة: التاريخ والروحانية

يعتبر مسجد الزروق في مصراتة من أبرز المساجد في غرب ليبيا، ويعود تاريخه إلى حوالي خمسة قرون ونصف، ويرتبط باسم العالم المالكي الصوفي أحمد الزروق (1442-1493م). يتولى الشيخ الطيب أبو الشرود إمامة التراويح، ويستقطب أعدادا كبيرة من المصلين بصوته المؤثر، ويختم القرآن كاملا خلال الشهر. لا يقتصر دور المسجد على الصلاة فحسب، بل يضم حلقات لتحفيظ القرآن ودروسا في الفقه والتفسير، مما يجعله مركزا دينيا وثقافيا متكاملا في المدينة.

مسجد البدري في بنغازي: منارة ستينية متجددة

في أحد أحياء بنغازي، يقع مسجد البدري، الذي يعد من المعالم الحديثة التي تأسست عام 1968 تزامنا مع التوسع العمراني للمدينة. أعيد افتتاح المسجد في 10 يناير 2026، بعد صيانة شاملة، ويشهد رمضان حضورا كثيفا في صلاتي التراويح والقيام، ويقوده هذا العام الشيخ محمد عبد السلام عكاشة (المختار بن قيس). يعتبر المسجد أيضا فضاء اجتماعيا جامعا، حيث تقام فيه دروس دينية وحلقات لتحفيظ القرآن ومناسبات اجتماعية.

أفاد مكتب الأوقاف في بنغازي بوجود مساجد أخرى تختم القرآن في المدينة، منها مسجد سودة بنت زمعة ومسجد صفوان بن وهب ومسجد عاصم الكوفي ومسجد الأشعث بن قيس.

مسجد العتيق في سبها: جامع رمضان وصوت القرآن الكريم

يقع مسجد العتيق في مدينة سبها جنوب ليبيا، ويعتبر أقدم المساجد في المدينة، وكان يعرف قديما باسم جامع الجديد. تأسس المسجد بين عامي 840 و850 هجري (1437-1447 ميلادي) على يد الشيخ محمد حضيري بن عبد الله الناعمي، وخضع لترميمات عدة للحفاظ على هيكله التاريخي. يقود الصلاة حاليا الإمام الشيخ عبدالسلام الطاهر محمد عبدالله الأحيرش، ويعاونه أخوه الشيخ عبدالمطلب، ويُختم القرآن كاملا ليلة التاسع والعشرين من رمضان. يشهد المسجد حضورا كثيفا في صلوات التراويح والتهجد، كما تظل بعض المساجد المجاورة مفتوحة للمواظبين على الصلاة الجماعية خلال الليل.

من درنة إلى طرابلس، مرورا بمصراتة وبنغازي، ووصولا إلى سبها، تكشف هذه المساجد عن مشهد رمضاني ليبي يجمع بين الروحانية والتاريخ والمجتمع. أصوات الأئمة تتعالى في ليالي التراويح والقيام، وتظل الروح الجماعية للمصلين شاهدة على ارتباط المدن بمساجدها عبر القرون. وفي كل ختم للقرآن، تتجلى قوة التقاليد الدينية، ويعيد المصلون إحياء ذاكرة الماضي مع الحفاظ على حياتهم الروحية المعاصرة، في مشهد يوحد الليبيين حول قيم العبادة والإيمان في شهر رمضان المبارك.