تجنب الاخبار: حماية نفسية ام خسارة للمعلومات؟
في عالم يشهد تدفقا هائلا من المعلومات على مدار الساعة، يواجه الكثيرون صعوبة في الحفاظ على توازنهم النفسي، حيث تضخ وسائل التواصل الاجتماعي كميات كبيرة من المحتوى المتنوع، ما بين معلومات موثوقة وأخرى غير دقيقة.
وقد أدت هذه الحالة إلى ظهور ما يعرف بـ "الارهاق الاخباري" أو "تجنب الاخبار"، حيث يمتنع الشخص بشكل جزئي أو كلي عن متابعة الأحداث الجارية في العالم.
يعرف الباحث هيسو جانغ من كلية هوسمان للصحافة هذه الحالة بأنها "استنزاف نفسي ناتج عن الافراط في التعرض للمعلومات"، خاصة في البيئة الرقمية التي لا تتوقف عن التحديث.
تشير الابحاث الاكاديمية الى ان المنافسة الشديدة من المحتوى الترفيهي تلعب دورا مهما في معاناة الكثيرين من "التخمة المعلوماتية" و"تجنب الاخبار"، فقد اظهرت دراسة نشرت في "المجلة الامريكية للعلوم السياسية" ان وفرة الترفيه تدفع بعض الاشخاص الى تفضيله على الاخبار، وهو ما يرتبط بانخفاض المعرفة السياسية والمشاركة الديمقراطية، خاصة بين الشباب الذين نشأوا في بيئة رقمية مشبعة بالترفيه.
كما ان خوارزميات منصات التواصل، المصممة لزيادة التفاعل ومدة البقاء، تعطي اولوية للمحتوى السريع والعاطفي، وتهمش الاخبار المتعمقة، وغالبا ما تعرض الاخبار بصياغات تثير الغضب والاستقطاب لتحفيز التفاعل، مما يدفع بعض المستخدمين الى الانسحاب كآلية دفاع نفسية.
وفي كتاب "التجنب الاخباري" الصادر عن دار نشر جامعة كولومبيا عام 2024 بالتعاون مع مؤسسة رويترز الاعلامية، استند الباحثون الى مقابلات في بريطانيا وامريكا واسبانيا لبيان اسباب الظاهرة، وخلصوا الى ان كثيرا من الناس يرون الاخبار سلبية ومحبطة، خاصة السياسية منها، مما يعزز الشعور بالارهاق الاعلامي ويدفعهم لتجنبها.
وتتفق هذه النتائج مع خلاصة تقرير مؤسسة رويترز للاخبار الرقمية لعام 2022، الذي اظهر ان نحو 38-40% من المشاركين في استطلاع عالمي حول تأثيرات الاعلام الاخباري، افادوا بانهم يتجنبون الاخبار بسبب تأثيرها السلبي على مزاجهم وزيادة شعورهم بالتوتر والاحباط واللاجدوى.
واظهرت دراسة نشرت في مجلة وقائع الاكاديمية الوطنية للعلوم الامريكية (PNAS) ارتباط عدد ساعات التعرض اليومي للصور العنيفة بزيادة اعراض التوتر المبكر، مقارنة بالتعرض الفعلي للاحداث.
وبالرغم من ان الابتعاد عن الاخبار السلبية قد يحقق الهدوء والراحة الفورية، فان تجنب الاخبار بشكل دائم او مستمر له سلبياته، فقد تفوتك معلومات متعلقة بالسلامة او مواعيد مؤثرة في حياتك اليومية او وظيفتك او حتى فيما يتعلق بموارد المجتمع وسلامة الافراد، خاصة في الدول التي تتعرض للحروب والازمات الكبرى.
وعلى مدى شهور، سيتسلل شعور متزايد بالاغتراب، وهو ما يؤثر على الشعور بالهدف والقدرة على التأثير والانتماء للمجتمع، لهذا السبب تربط الابحاث النفسية والمؤسسات الاعلامية بين استهلاك الاخبار باعتدال والشعور بقوة التأثير المدني للشخص باعتباره مواطنا وفردا فعالا في عالم مترابط وواع.
ولتجاوز حالة العزلة والانقطاع عن المتابعة الاخبارية، توصي مؤسسات بحثية بتحديد نوافذ زمنية محددة لمتابعة الاخبار، مثلا تخصيص 20 دقيقة صباحا او مساء لمتابعة الاخبار وتجنب التصفح المفرط للأنباء السلبية قبل النوم.
يوضح مركز "كونستراكتف إنستتيوت" (Constructive Institute) الدنماركي، المتخصص في بحوث علوم الصحافة الاخبارية، ان البحث عن مصادر محتوى إخباري ذات سياسات شفافة وقيم تحريرية موثوقة سيصنع كل الفارق، اذ غالبا ما توفر المؤسسات الاخبارية غير الربحية والمواقع الاعلامية الموثوقة تغطية معمقة دون تهويل، مما يدعم موازنة ذلك بوجهات نظر من مختلف الاطياف السياسية للحد من التحيز والتطرف.
كما يبرز توجه متنامي نحو تعزيز "الصحافة البناءة" و"صحافة الحلول"، التي لا تكتفي بعرض المشكلات، بل تركز على الاستجابات القائمة على الادلة، اذ تشير ابحاث بشأن "صحافة الحلول" إلى أن التغطية التي لا تكتفي بعرض المشكلة والاحداث المؤسفة بل تبرز الاستجابات والحلول القائمة على الادلة ترتبط بانخفاض مشاعر الاحباط وارتفاع الشعور بالقدرة على الفعل لدى الجماهير.
وخلص تقرير صادر عام 2014 عن مجلة "سنتر اوف ميديا إنغيدجمنت" (Center for Media Engagement) بجامعة تكساس، الى ان القراء الذين تعرضوا لمحتوى يركز على الحلول اظهروا اهتماما اكبر بالقضية وشعورا اعلى بالكفاءة مقارنة بالتغطية التقليدية التي تركز فقط على عرض المشكلة.
وختاما، قد لا تعكس ظاهرة تجنب الاخبار بالضرورة احساسا باللامبالاة بالشأن العام، بل تشير الى مشكلة في علاقة الشخص بالاخبار وبمصادر المعلومات الموثوقة.
وهنا يكون التحدي المطروح امام الفرد في الاستهلاك الواعي والموزون للمحتوى الاخباري وانتقاء المنصات والقنوات بعناية، بينما تتحمل المؤسسات الاعلامية مسؤولية تحقيق التوازن بين نقل الواقع وتعزيز القدرة على التعامل معه، دون ان يتحول الخبر الى مصدر استنزاف دائم وتهديد للسلامة النفسية للجميع.