اللواء الدكتور الحميدان: حكمة القيادة الخليجية مع التصعيد الإيراني
بقلم اللواء الدكتور عبداللطيف بن محمد الحميدان
في خضم التصعيد الإقليمي المتسارع وتداخل مسارات الحرب بين إسرائيل وإيران على وقع انخراط أمريكي مباشر يطرح البعض تساؤلات حول موقف السعودية ودول الخليج لماذا لا تنخرط عسكريا في المواجهة أو ترد بصورة مباشرة غير أن القراءة الهادئة تكشف أن ما يجري ليس ترددا بل هو تعبير عن حكمة قيادة تدرك تعقيدات اللحظة التاريخية وتفكر بمنطق الدولة لا بمنطق الانفعال.
لإن القيادات الخليجية تنطلق من مبدأ ثابت مفاده أن أمن الدول لا يقاس بحدة الخطاب ولا بسرعة الرد بل بقدرتها على حماية مصالحها العليا وصون استقرارها الداخلي ومنع انتقال النيران إلى أراضيها فالموقع الجغرافي الحساس لمنشآت الطاقة والممرات البحرية يجعل أي مواجهة مباشرة محفوفة بمخاطر جسيمة قد تطال الاقتصاد الوطني والإقليمي على حد سواء ومن الحكمة الاستراتيجية تجنب تحويل الأراضي الخليجية إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
ولقد أثبتت التجارب الحديثة في المنطقة أن الحروب لا تبقى محدودة وأن شرارتها الأولى قد تتحول إلى حريق طويل الأمد يستنزف الموارد ويستدعي تدخلات خارجية معقدة والقيادة الخليجية التي خاضت تجارب أمنية خلال العقد الماضي خرجت برؤية أكثر نضجا مفادها أن الصراعات غير المتكافئة لا تحسم بضربة واحدة وأن الخصم الذي يعتمد على الأذرع والامتدادات الإقليمية يمكنه نقل المعركة إلى مساحات متعددة في وقت واحد ومن هنا فإن ضبط النفس لا يعكس ضعفا بل يعكس إدراكا لطبيعة التهديد وأدواته ولابد من التعامل معه بحكمة بالغه وهو ماتفعله قيادة دول الخليج .
كما أن السعودية اليوم ليست دولة تعيش على إيقاع ردود الفعل بل دولة تبني مشروعا وتحولا وطنيا عميقا يرتكز على التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمارات وبناء مدن المستقبل وتعزيز مكانتها كمركز عالمي للطاقة واللوجستيات والسياحة وأي انخراط في حرب مفتوحة سيعني بالضرورة إعادة توجيه الموارد من التنمية إلى المواجهة وتعريض الثقة الدولية بالاقتصاد الوطني للاهتزاز وهو ما يتعارض مع رؤية استراتيجية بعيدة المدى وضعتها القيادة نصب أعينها.
ومن زاوية أوسع تدرك العواصم الخليجية أن الحرب الدائرة بين أطرافها الرئيسيين تحكمها حسابات تخصهم وأن توسيع دائرة الاشتباك سيمنح المبررات لتدويل أوسع للصراع ويضع المنطقة بأكملها أمام سيناريوهات غير محسوبة لذلك فإن التمسك بسياسة التهدئة والحفاظ على قنوات الاتصال الدبلوماسية يعكس فهما عميقا لمعادلة الردع المتوازن حيث تكون القوة الحقيقية في منع الحرب لا في إشعالها.
والحكمة السياسية تتجلى في القدرة على الفصل بين الشعور المشروع بالغضب وبين القرار الاستراتيجي الرشيد فالقيادة الخليجية تدرك أن الرد العسكري المباشر قد يحقق مكسبا رمزيا آنيا لكنه يفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة تستهدف المدن والبنى التحتية والاقتصاد وتضع المجتمعات تحت ضغط دائم وفي عالم مترابط اقتصاديا لإن أي اضطراب في الخليج ستكون له ارتدادات عالمية ما يضاعف حجم المسؤولية الملقاة على عاتق صناع القرار.
ولا يعني هذا الموقف غياب أدوات الرد أو الاستعداد فالخيار الدفاعي وتعزيز الجاهزية وبناء التحالفات وتحصين الجبهة الداخلية كلها مسارات تعمل بالتوازي لكن ضمن رؤية تمنح الأولوية لاحتواء التصعيد لا لتوسيعه وهذه المقاربة تعكس ثقة بالنفس وبالقدرة على إدارة التوازنات الإقليمية دون الانجرار إلى معارك قد تطول لسنوات.
ولهذا يبدوا لنا بان دول الخليج تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة عن منطق رد الفعل الفوري فهي تزن الكلفة والعائد وتدرك أن الانجرار إلى مواجهة مباشرة قد يحقق إشباعا رمزيا قصير الأمد لكنه يفتح الباب أمام تداعيات استراتيجية خطيرة تمتد لسنوات طويلة وبين خيار المواجهة الشاملة وخيار التهدئة المحسوبة اختارت هذه الدول حتى الآن إدارة المخاطر بدل توسيعها حفاظا على استقرارها الداخلي ودورها الاقتصادي العالمي وتجنبا لتحول المنطقة إلى ساحة حرب استنزاف مفتوحة لا رابح فيها وهذه المقاربة في جوهرها تعكس حكمة القيادة التي ترى أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق في ميادين القتال بل تلك التي تمنع اندلاعها وتحمي الأوطان من أثمانها الباهظة.