ايران تواجه خيارات صعبة في مفاوضات الملف النووي

في ظل الاجواء الايجابية التي عكستها طهران بعد الجولة الثانية من محادثاتها مع واشنطن في جنيف، بدا المشهد يسير في مسارين متوازيين. الايرانيون يتحدثون عن تقدم واستعداد لتقديم اوراق عمل مكتوبة تمهيدا لاتفاق محتمل. في المقابل، اكد نائب الرئيس الاميركي ان طهران لم توافق بعد على تجاوز الخطوط الحمر التي وضعها الرئيس الاميركي، ملمحا الى ان الدبلوماسية قد تبلغ نهايتها الطبيعية اذا لم تتغير المعادلة.

اضاف تقرير لموقع اكسيوس مزيدا من التشاؤم، متحدثا عن اقتراب الادارة الاميركية من حرب واسعة النطاق مع ايران، لا مجرد ضربة محدودة، وفقا لمسؤولين اميركيين واسرائيليين.

اشار التقرير الى ان الحشد العسكري الاميركي يشمل حاليا حاملتي طائرات ونحو اثنتي عشرة سفينة حربية ومئات الطائرات المقاتلة، اضافة الى انظمة دفاع جوي متعددة. تم تنفيذ اكثر من 150 رحلة شحن عسكرية لنقل اسلحة وذخائر الى الشرق الاوسط. وخلال 24 ساعة فقط، وصلت 50 طائرة مقاتلة اضافية الى المنطقة.

تصعيد عسكري وتفاؤل حذر

بين هاتين الروايتين تتشكل منطقة رمادية، ليست انهيارا رسميا للمفاوضات ولا اختراقا يضمن اتفاقا قريبا. غير ان تصاعد الضغط العسكري واتساع سلة المطالب الاميركية وضيق هامش المناورة امام طهران، يجعل التفاؤل الايراني اقرب الى ادارة الوقت منه الى اعلان اقتراب تسوية.

حسب ما رشح من جنيف، خرجت طهران من الجولة الثانية مركزة على مفهومي المبادئ التوجيهية والاجواء البناءة، في محاولة لتثبيت ان مسار التفاوض لم ينكسر بعد. ثمة ارضية مشتركة يمكن البناء عليها. في المقابل، تشير روايات متقاطعة الى ان واشنطن تنتظر من ايران العودة خلال اسبوعين بمقترح مفصل او مكتوب يجيب عن الاسئلة الجوهرية للاتفاق، بدلا من الاكتفاء بعناوين عامة.

قال مسؤول اميركي ان محادثات جنيف مع ايران احرزت تقدما، لكن لا تزال هناك تفاصيل كثيرة بحاجة الى مناقشة. اضاف ان الجانب الايراني ابلغ واشنطن بانه سيعود خلال الاسبوعين المقبلين بمقترحات مفصلة لمعالجة بعض الفجوات القائمة في مواقفنا.

مقترحات ايرانية وردود فعل امريكية

اوضح المسؤول ان ايران طرحت خلال المحادثات فكرة تعليق تخصيب اليورانيوم لفترة محددة قد تتراوح بين عام وثلاثة او خمسة اعوام. غير ان هذا الطرح لا يلبي بمفرده مطلب الرئيس الاميركي بانهاء التخصيب بالكامل.

اشار مسؤولون اميركيون مطلعون الى ان الولايات المتحدة تدرس، في المقابل، امكان رفع بعض العقوبات المالية والمصرفية والحظر المفروض على مبيعات النفط الايراني، في حال قدمت طهران خطة مقنعة تضمن رقابة كافية على برنامجها النووي وتتضمن حوافز اقتصادية مناسبة.

اكد مسؤول اميركي ان صياغة البيان الصادر عن البيت الابيض تعكس ان الكرة في ملعب طهران. على الايرانيين تقديم خطة واضحة خلال 14 يوما يمكن ان تحظى بقبول الرئيس الاميركي.

مهلة الاسبوعين وساعة رمل سياسية

هذا التفصيل، مهلة الاسبوعين، ليس تقنيا، انه ساعة رمل سياسية. اما ان تقدم طهران صياغات قابلة للاختبار والتحقق، واما تتهم بانها تستخدم المفاوضات لتخفيف الضغط دون تقديم تنازلات. مع ان طهران تحاول فصل الملف النووي عن باقي الملفات الحساسة، فان الاشارات الاميركية الاخيرة توحي بان الاتفاق الموعود المطلوب في واشنطن لم يعد نوويا فقط، بل اوسع واثقل كلفة.

تصريحات نائب الرئيس الاميركي جاءت لتؤطر الخلاف بلغة حادة، المحادثات سارت جيدا في بعض النواحي، لكنها كشفت في نواح اخرى عن ان الايرانيين غير مستعدين للاعتراف بخطوط حمر وضعها الرئيس الاميركي والعمل على تجاوزها. اللافت هنا ليس فقط مضمون الرسالة، بل ما تفتحه من باب لتفسير ان واشنطن تتهيأ مبكرا لاتهام طهران بالتعنت، تمهيدا لنقل الملف من طاولة التفاوض الى خيارات اكثر قسوة.

هنا يذهب فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشان الايراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى، ابعد من ذلك، معتبرا ان المفاوضات وصلت عمليا الى مازق. الادارة الاميركية لا تضع الملف النووي وحده على الطاولة، بل ترفقه بقضايا اخرى مثل قدرات الصواريخ البعيدة المدى ودعم الوكلاء والسلوك الداخلي العنيف. ملفات يرفض النظام حتى الان بحثها.

تحذيرات من الفشل واتفاق مرحلي

وفق نديمي، فان هذا الاتساع في الشروط يجعل احتمال الصفقة الشاملة ضعيفا، وان كان لا يستبعد اتفاقا مرحليا في اللحظة الاخيرة هدفه تاخير الانفجار لا منعه.

في المقابل، يحذر باراك بارفي، الباحث في معهد نيو اميركا، من القفز سريعا الى اعلان الفشل. يرى انه من المبكر جدا اعتبار المفاوضات ميتة. الطرفان تبادلا مسودات ويحاولان ايجاد طريقة للنزول عن الشجرة دون ان يظهر اي منهما وكانه تراجع عن ثوابته.

لكن بارفي يلفت الى عاملين قد يحددان المصير. اولا، ما اذا كانت طهران ستعتبر التنازلات وجودية ام قابلة للتسوية. ثانيا، مزاج الرئيس الاميركي نفسه، اذ قد لا يملك الصبر على تكتيكات المساومة البازارية التي يتقنها الايرانيون. قد لا يرغب اصلا في منحها وقتا اطول.

الحرب كخيار وارد

هنا يلتقي التحليل السياسي مع لغة القوة. يتحدث تقرير عن مشهد تعبئة عسكرية متصاعدة، حاملتا طائرات وعشرات السفن ومئات الطائرات المقاتلة وتعزيزات دفاع جوي. الى جانب مئات رحلات الشحن العسكرية التي تنقل ذخائر وانظمة الى المنطقة. صورة توحي بان الادارة لا تلوح فقط، بل تبني خيارا عملياتيا متكاملا.

اذا كانت طهران ترى في هذا الحشد محاولة للي الذراع داخل التفاوض، فان فرزين نديمي يقراه اشارة شبه حاسمة الى ان واشنطن تتحرك بسرعة نحو حملة عسكرية واسعة. زخمها لن يتوقف الا اذا قدمت ايران تنازلات كبيرة ومن دون اضاعة وقت. هذا المنطق يعيد تعريف المفاوضات، ليست مسارا مستقلا عن الحرب، بل جزءا من ترتيباتها. نافذة اخيرة قبل ان يقال ان الدبلوماسية استنفدت اغراضها.

في المقابل، ما يجعل خيار الحرب محفوفا بالمخاطر ليس فقط كلفته، بل ايضا سياسة التوقعات التي صنعها الحشد العسكري نفسه. كلما ارتفع سقف التعبئة، صار التراجع اصعب. لانه سيبدو وكانه انكفاء تحت الضغط او فشل في انتزاع تنازلات. هنا تصبح مهلة الاسبوعين اكثر من موعد تقني، بل اختبارا للارادة. هل تستطيع طهران تقديم ورقة مكتوبة تحمل تنازلات قابلة للترجمة؟ وهل يقبل الرئيس الاميركي اصلا باتفاق اقل من الحد الاقصى اذا كان قد صعد علنا سقف الخطوط الحمر؟

السيناريو الاقرب، وفق ما يظهر من تباين السرديات، هو استمرار التفاوض بوصفه مسارا معلقا فوق فوهة التصعيد، جولات اضافية ومسودات متبادلة ووعود بالكتابة. لكن من دون عبور حقيقي للخطوط الفاصلة. اذا لم يحدث ذلك العبور خلال النافذة الزمنية المعلنة، فستزداد قوة رواية نهاية الدبلوماسية التي لمح اليها نائب الرئيس الاميركي. سيزداد معها خطر انتقال الملف من تفاوض تحت الضغط الى ضغط يصنع الحرب.