الكبسة والجريش والحنيني: نجوم المطبخ السعودي
يمثل المطبخ السعودي تجربة فريدة حيث انصهرت فيه روح البادية مع ثراء الموانئ لتنتج هوية غذائية عابرة للاجيال. من حجر الرحى النجدي الى اكياس الخيش الحجازية يبرز الابداع في تطويع الموارد وتحويلها الى رموز السيادة على المائدة.
اليوم يتجلى هذا الثراء بابهى صوره في ليالي شهر رمضان المبارك حيث تتحول هذه الاطباق من مجرد وجبات الى طقوس اجتماعية تجمع العائلة حول قدر واحد يختصر المسافة بين الماضي والحاضر.
كشفت مصادر مطلعة اليوم ان المطبخ السعودي يعكس تنوعا ثقافيا واجتماعيا عميقا تجسده اطباق مثل الكبسة والجريش والحنيني التي تعد جزءا لا يتجزا من التراث الغذائي للمملكة العربية السعودية.
رحلة في تاريخ الكبسة السعودية
بينت دراسات تاريخية ان الكبسة لم تكن مجرد وصفة بل هي اتفاقية تاريخية بين اللحم المطهو في الماء والملح وبين الارز القادم من سفوح الهملايا لتولد اكلة ازاحت البرغل والهريس عن عرشهما بعد صراع مع الذاكرة الغذائية للجزيرة العربية.
اضافت المصادر انه مع قوافل الحجاج وصلت اكياس البهارات من جاوا وكيرالا لتختلط وتنتج ما نعرفه اليوم بالكبسة الحجازية. اوضحت ان في هذا الطبق لم يكن الارز مجرد مكون عادي بل وسيلة لدمج ثقافات الحجاج المختلفة في قدر واحد يتميز برائحة الخولنجان والقرفة مما اعطى الكبسة الحجازية مكانة خاصة وفخمة بين اطباق الارز العربية.
قالت المخطوطات القديمة التي ارخت لرحلات الحج والتجارة ان اهل مكة والمدينة كانوا يبرعون في طهي اللحم مع الارز بطريقة تجعل النكهة تتغلغل في لب الحبة وهو ما يميزها عن البرياني الذي يعتمد على طبقات منفصلة.
نكهات الارز في الخليج
وفي المطبخ المعاصر تلون المكبوس بالوان المدن التي نزل فيها. في الكويت يتحول الطبق الى مجبوس الدجاج الكويتي الاصلي والذي لا يكتفى فيه بضغط الدجاج مع الارز بل تتوج الطبق بالحشو وهو خليط من البصل المكرمل والزبيب الكشمش والحمص المجروش النخي مطعم بترف الزعفران وماء الورد مما يمنحه نكهة ارستقراطية تميزه عن غيره.
بين ان في السعودية تتجلى الكبسة في وجوه متعددة تعكس تنوع المملكة الجغرافي فيظهر مثلا الارز بالسليق كوجه اخر نقي وابيض حيث يطهى الارز المصري قصير الحبة مع الحليب والكريمة والمستكة ليقدم تجربة دسمة وناعمة تختلف كليا عن حدة البهارات الحمراء.
اوضح ان في السواحل الغربية يظهر المعدوس حيث يختلط الارز بالعدس ويقدم مع السمك الناشف في دلالة على تزاوج البيئة البحرية مع حبوب الارض.
روايات اصل الكبسة
وفي سياق الحديث عن اصل الكبسة يبرز سجال حديث حول اصل الطبق حيث يرى الكاتب عبدالعزيز في مقال لصحيفة الرياض السعودية ان الكبسة قد تلتقي مع البايلة Paella الاسبانية في مبدا بقايا الطعام التي كانت تجمع للخدم في الاندلس. رغم هذا التشابه في تقنية القدر الواحد يصر المدافعون عن الهوية المحلية على ان الكبسة ابتكار سعودي اسما ومعنى فهي مشتقة من الكبس ليس فقط لضغط المكونات حراريا بل لما تسببه دسامتها من كبس وثقل ونعاس لاكلها.
الجريش وريث الدشيشة والهريسة
اشار باحثون في التراث الغذائي الى ان الجريش الذي يصنفه البعض من المقبلات ارتبط قديما في بيوت الطين بصوت المضرابة الخشبية التي تطحن القمح الصلب داخل قدور النحاس الثقيلة. بينوا ان هذه العملية لم تكن مجرد طهي بل كانت مهارة تتطلب صبرا طويلا لتحويل الحبوب الجافة الى قوام لين ومميز ويعد الجريش من اقدم اطباق الحبوب في المنطقة حيث ظل محافظا على مكانته رغم تغير الظروف الجغرافية والمناخية محتفظا بتركيبة حبات القمح التي لا تذوب تماما مما يمنحه قواما يختلف عن بقية الاطباق المشابهة.
كشفت الدراسات التاريخية ان اصول الجريش تعود الى حضارات عربية قديمة اعتمدت على الحبوب المهروسة وتذكر المخطوطات الاسلامية المبكرة اطباقا مثل الدشيشة والهريسة كبدايات لهذا النوع من الطعام وذلك قبل وقت طويل من دخول الارز البسمتي الى المنطقة عبر التجارة مع الهند.
بينت المصادر انه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مر الجريش بتحول اجتماعي هام في منطقة نجد فبعدما كان وجبة بسيطة تعتمد على القمح والماء اصبح طبقا فاخرا بفضل اضافة اللبن الرائب الحامض. اوضحت ان هذا المكون كان يساعد في تليين الياف القمح القاسية ويعطي الطبق لونه الابيض المعروف وقوامه الذي يميزه عن الهريس الذي يضرب حتى يصبح ناعما تماما. لفتت الى انه رغم انتشار الارز في القرن العشرين لسهولة تحضيره ظل الجريش طبقا اساسيا في الولائم الكبرى مما يعكس المكانة الاجتماعية والتقدير لمن يخصص الوقت والجهد لاعداده بالطريقة التقليدية.
الحنيني ذاكرة شتاء نجد
اما على صعيد الحلويات فتتحول حبات التمر الخلاص او السكري الى عجينة سمراء تتداخل مع اقراص البر المخبوزة على الصاج لتصنع طبق الحنيني. وضح مختصون في التغذية ان الحنيني ليس مجرد طعام بل هو تقنية بقاء قديمة تروي قصة التكيف مع بيئة شحيحة الموارد الا من نخلة صبورة وقمح صلب حيث كان البدوي يحتاج الى طاقة مكثفة لمواجهة المربعانية وقرص الصقيع الذي يلف رمال النفوذ.
بينت الروايات التاريخية ان قصة اكلة الحنيني النجدية كانت تعتمد في تكوينها البدائي على القرص المخبوز في الجمر والتمر المخزون. واضافت ان هذه الاكلة تطورت من كونها زادا للرعاة الى مرتبة الاطباق التي تتصدر موائد الوجهاء وذلك مع اتقان فن الهشم ثم الهرس الذي كان قديما يتم في النجر الخشبي الكبير ليمنحها القوام اللين المتجانس.
اشارت المصادر الى ان المسار التاريخي يكشف عن خصوصية الحنيني مقارنة بنظائره في الخليج اذ تميل اطباق مثل الممروس والعفوسة الى قوام شديد الليونة في حين يحتفظ الحنيني ببنية قائمة على القمح البر ما يمنحه طابعا نجديا مميزا مستمدا من بر القصيم وتمورها بعيدا عن الاطباق التي تعتمد على الطحين المحمص وحده.
في الحاضر لم يعد الحنيني يقتصر على نجد بل تمدد ليرسم ملامح شتاء دافئ في مختلف مناطق المملكة مع الحفاظ على بصمات الشعوب التي احتضنته. فبينما يصر اهل نجد على تقديمه مع قطع الزبدة السائلة وعصرة الليمون التي تكسر حدة الحلاوة نجد تفرعاته المعاصرة في المقاهي التي بدات تقدمه كتارت او قوالب عصرية لكنه يظل محتفظا بسره الاكبر وهو توازن التمر والقمح الذي لا يطغى فيه احدهما على الاخر.
اكد خبراء في فنون الطهي ان سرعة تحول هذا الطبق من قدور النحاس والنجر القديمة الى الاجهزة الكهربائية الحديثة لم تفقده روحه بل جعلته سفيرا للمطبخ السعودي في المحافل الثقافية الدولية.
وفي مطلع عام 2023 توجت هذه الرحلة التاريخية بقرار رسمي من هيئة فنون الطهي ضمن مبادرة روايات الاطباق الوطنية حيث تم اختيار الجريش ليكون الاكلة الوطنية السعودية والحنيني الحلوى الوطنية السعودية في خطوة تهدف الى توثيق هذا التراث العريق والاحتفاء به.