ليبيا اليوم: شخصيات من نظام القذافي تتحكم بمفاصل الدولة
بعد مرور خمسة عشر عاما على ثورة السابع عشر من فبراير التي اطاحت بنظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي. كشفت تقارير عن استمرار وجود شخصيات مرتبطة بعهد الجماهيرية في مفاصل السلطة الليبية. سواء داخل المؤسسات التنفيذية والسيادية. أو في الاجهزة الامنية والعسكرية. وأظهرت الدوائر السياسية والبحثية أن هذا الوجود لم يعد مفاجئا. بل يمثل ترجمة لتعقيدات مرحلة انتقالية طويلة وتداخل شبكات الدولة القديمة مع بنية نظام سياسي جديد لم يستقر بعد.
في هذا السياق. قالت الباحثة كلوديا غازيني كبيرة المحللين في مجموعة الازمات الدولية للشرق الاوسط. إن بعض الشخصيات المرتبطة بالعهد السابق نأت بنفسها عام الفين واحد عشر. ثم غابت قبل ان تعود تدريجيا. خصوصا بعد الفين وسبعة عشر. في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي بين سلطات متنافسة شرقا وغربا.
في غرب ليبيا. يرسخ عبد الحميد الدبيبة حضوره كرئيس حكومة الوحدة المؤقتة منذ الفين وواحد وعشرين. وهو الذي شغل سابقا رئاسة جهاز تنمية وتطوير المراكز الادارية خلال عهد القذافي.
مناصب اقتصادية وسياسية سابقة
كما اشارت التقارير إلى محمد الحويج وزير الاقتصاد والتجارة في الحكومة المكلفة من البرلمان. الذي تقلد مناصب اقتصادية بارزة في مرحلة النظام السابق. ابرزها وزير لحقيبتي الاقتصاد والتخطيط.
أما ناجي عيسى محافظ مصرف ليبيا المركزي الحالي. فقد شغل منصب نائب للمحافظ قبل الفين واحد عشر. ثم عمل مستشارا لمؤسسات مالية دولية. قبل ان يعود لعمله بالمصرف مديرا لاحدى اداراته بحسب سيرة ذاتية نشرتها صحيفة ليبيا اوبزرفر الناطقة بالانجليزية.
وفي شرق البلاد. يبرز اسم وزير الخارجية في الحكومة المكلفة من مجلس النواب عبد الهادي الحويج. الذي شغل مناصب قيادية في عهد القذافي. ابرزها امين الهيئة العامة للشباب والرياضة.
مسؤولون في عهد القذافي يتبوؤن مناصب عليا
وبالنسبة لمحمد بعيو رئيس المؤسسة الليبية للاعلام الحالي. فقد تقلد مهام اعلامية وسياسية خلال عهد القذافي منها عمله ناطقا حكوميا. بينما عمل عقيلة صالح رئيس مجلس النواب قاضيا في العهد السابق. ولم يكن له دور سياسي او تنفيذي.
وعلى مستوى قمة الهرم السيادي. فإن موسى الكوني نائب رئيس المجلس الرئاسي الحالي كان دبلوماسيا بارزا في عصر القذافي. وعمل قنصلا عاما في مالي قبل ان ينشق عنه ويلتحق بالثورة. فيما يعد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي من الشخصيات التي برزت في سياق نشاط طلابي سابق له في الخارج موال للنظام في باريس.
وترى غازيني ان معظم العائدين الى واجهة السلطة ينتمون الى فئة التكنوقراط اكثر من الشخصيات الايديولوجية. وتستشهد بالسياسي الراحل محمود جبريل الذي شغل منصبا اقتصاديا رفيعا في عهد القذافي قبل ان يصبح اول رئيس للمكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي كنموذج لشخصية تكنوقراطية حملت تصورا مختلفا للدولة.
قانون العزل السياسي
بعد عام ونيف من ثورة السابع عشر من فبراير راهن كثيرون على المؤتمر الوطني العام بوصفه اول هيئة تشريعية منتخبة بعد الثورة ليقود المرحلة الانتقالية ويشرف على صياغة الدستور واضعا البلاد على طريق الاستقرار.
غير ان عضو المؤتمر سابقا عبد المنعم اليسير يرى ان المشهد الحالي لا يمكن قراءته باعتباره مجرد عودة لخبرات الدولة بل هو اعادة تموضع لشبكات مصالح قديمة كانت جزءا من اسباب الانهيار قبل السابع عشر من فبراير.
وفي محاولة لاعادة رسم المشهد السياسي صدر قانون العزل السياسي عام الفين وثلاثة عشر عن المؤتمر الوطني العام بهدف اقصاء المرتبطين بالنظام السابق من المناصب العامة. لكنه اثار جدلا واسعا قبل ان يعلن مجلس النواب عام الفين وخمسة عشر الغاءه وسط بيئة منقسمة.
المشهد العسكري المنقسم
المشهد العسكري المنقسم منذ انهيار قوات الجيش السابق عام الفين واحد عشر كان جزءا اساسيا من هذه التفاعلات. ففي غرب ليبيا يبرز صلاح النمروش الذي بدا مسيرته المهنية ضابطا مهندسا في المؤسسة العسكرية عام الفين.
وفي الشرق اللواء عبد السلام الحاسي معاون رئيس اركان القوات البرية في الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر من بين القادة الذين تقلدوا مناصب خلال عهد القذافي قبل انشقاقهم عام الفين واحد عشر. وكان من بينهم حفتر.
كما تظهر مفارقة توزيع قيادات وكوادر اللواء اثنين وثلاثين المعزز الذي كان يقوده خميس نجل القذافي بين التشكيلات المتنافسة شرقا وغربا.
تحديات المرحلة الانتقالية
وعلى المستوى الاستخبارات الامنية يذكر حسين العايب رئيس جهاز المخابرات في غرب ليبيا الذي عمل سابقا في جهاز الامن الخارجي في عهد القذافي وادار مكتب رئيس الاستخبارات عبد الله السنوسي ما اثار جدلا بين منتقدين اعتبروا تعيينه اشكالياً واخرين راوه توظيفا للخبرة.
كما عاد عناصر من انصار النظام السابق الى اعمالهم في الاجهزة الامنية بشرط عدم وجود ملاحقة قضائية وفق وزير الداخلية المكلف من البرلمان عصام ابو زريبة.
وتخلص غازيني الى ان استمرار حضور شخصيات من العهد السابق يعكس عجز القيادات الاولى بعد الفين واحد عشر عن احداث تغيير بنيوي في مسار الدولة.
غير ان اليسير يرى ان التعقيدات الراهنة ساهمت في بقاء او اعادة انتاج انماط النفوذ القديمة التي من بينها غياب قواعد صارمة ونهائية لاغلاق المرحلة الانتقالية وعدم توحيد المؤسسات السيادية وضعف منظومات الرقابة واستقلال القضاء. وحذر من ان هذا النمط يخدم مصالح منظومة السلاح والريع ويعرقل بناء دولة قوية ذات قضاء مستقل ورقابة فعالة. مؤكدا ان الحل يتمثل في توحيد المؤسسات السيادية واصلاح امني حقيقي ورقابة مالية مستقلة وقضاء نافذ وقاعدة شرعية واحدة تنتهي بصندوق الاقتراع ضمن اطار دستوري.