عبيدات يكشف تفاصيل اغتيال وصفي التل وقناص مجهول

قال رئيس الوزراء الاردني الاسبق احمد عبيدات الذي رحل مطلع الشهر الحالي، انه كان لاعبا وشاهدا على محطات حساسة في تاريخ بلاده.

واضاف عبيدات انه بدا سبعينات القرن الماضي مساعدا لمدير المخابرات، ثم مديرا لها حتى عام 1982، وفي ذروة الصدام الفلسطيني - الاردني، خطفته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قبل احداث سبتمبر (ايلول) 1970، وتولى ايضا وزارة الداخلية لعامين، قبل ان يكلفه الملك حسين رئاسة الحكومة مطلع 1984، وجمع معها منصب وزير الدفاع حتى ابريل (نيسان) 1985.

وبين عبيدات انه ظل لاكثر من عقد ونصف العقد في مركز القرار، ولعب بعدها ادوارا استفادت من خلفيته القانونية، من رئاسة اللجنة الملكية لصياغة الميثاق الوطني مطلع التسعينات، الى ادوار حقوقية وقضائية كان اخرها رئاسة مجلس امناء المركز الوطني لحقوق الانسان حتى 2008.

شهادة عبيدات حول ثورة بغداد وتشكيل المخابرات

اوضح عبيدات انه قبل اسابيع من طوفان الاقصى، التقى في عمان، وكان يفترض ان تنشر المقابلة في اكتوبر (تشرين الاول) 2023، لكن الحدث الكبير فرض تاجيلها، خصوصا في ظل تطرق الرجل الى محطات شائكة، سيما في ملف العلاقات الاردنية - الفلسطينية.

واشار عبيدات في الحلقة الاولى من شهادته، انه يعود الى سنوات التكوين الاولى، حين بدات رحلته السياسية والمهنية طالب حقوق في بغداد عشية ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، ثم عودته الى العراق بعد سقوط الحكم الملكي، وما رافق ذلك من تحولات كبرى في المنطقة.

واستطرد عبيدات ان الشهادة تنتقل الى بداياته العملية في الاردن، من تجربة قصيرة في المحاماة، الى التحاقه بالامن العام، ثم مشاركته في مكتب التحقيقات السياسية الذي شكل النواة الاولى للعمل الاستخباري المنظم، وتختتم بسرد تفصيلي لظروف تاسيس جهاز المخابرات العامة عام 1964، وبنية الجهاز الناشيء، واسماء رجاله الاوائل، في مرحلة كانت فيها الدولة الاردنية تعيد بناء ادواتها في اقليم شديد الاضطراب.

تفاصيل عن فترة الدراسة في بغداد

قال عبيدات ردا على سؤال حول تواجده في بغداد اثناء ثورة 1958: "الحقيقة انهيت السنة الاولى في كلية الحقوق، وعدت للاردن لقضاء العطلة الصيفية مع اسرتي، واثناء وجودي في مدينة اربد جاءت الانباء بقيام الثورة، ثورة 14 تموز في العراق التي اطاحت الحكم الملكي؛ ولذلك بعد انتهاء العطلة الصيفية عدت الى بغداد وكان هناك حكم جمهوري لعبد الكريم قاسم والمجموعة التي كانت معه".

واضاف عبيدات انه واجه بعض الصعوبات في العودة الى بغداد في ضوء ما حدث في 14 تموز، حتى في الطريق واجهتنا صعوبات بالعودة، حيث كانت الحدود شبه مغلقة بين الاردن والعراق، فاضطررنا الى ان نعود من خلال دمشق، وايضا بطرق صحراوية عدنا من دمشق الى بغداد، وكانت رحلة شاقة من دمشق.

وبين عبيدات انه غادر بغداد بعد انتهاء السنة الاخيرة من الدراسة، وفي اليوم الاخير من الامتحانات في السنة الرابعة عام 1961، وفور انتهاء اخر امتحان غادرت باتجاه المنزل الذي كنت اسكنه مع بعض الطلبة الاردنيين، وجهزت نفسي وعدت في اليوم نفسه الى الاردن، وكانت الحدود قد اعيد فتحها بين بغداد وعمان.

لقاء عبيدات بصدام حسين في الجامعة

كشف عبيدات انه كان معه طلاب بالجامعة ممن تولوا بعد ذلك مناصب في العراق، طبيعي صدام حسين نفسه كان معنا في كلية الحقوق، وكان يدرس في كلية الحقوق بالفترة المسائية، فقد كانت الدراسة قسما صباحيا وقسما مسائيا.

واوضح عبيدات انه راى صدام حسين مرة واحدة بالصدفة، وكان معه اخرون واحد هم عين محافظا في وقت لاحق، وبعض الطلبة الاخرين اصبحوا محامين وكان معنا عدد محدود، لا اتذكر اسماءهم الان.

وذكر عبيدات انه عاد الى بغداد سنة 1983 كان وزيرا للداخلية، وذهب لحضور مؤتمر وزارة الداخلية العرب بعد 22 سنة وبعض الاشهر، والتقى بسعدون شاكر، وطه ياسين رمضان ومحمد مهدي صالح وزير التجارة لاحقا، وهو موجود في الاردن حاليا.

عبيدات وزيرا للداخلية ومديرا للمخابرات

بين عبيدات انه كان مديرا للمخابرات لمدة سبع سنوات ونصف السنة، ثم احيل على التقاعد، وفي اليوم الثاني عين وزيرا للداخلية، فقد شغر منصب وزير الداخلية في حكومة المرحوم مضر بدران، بانتقال المرحوم سليمان عرار الذي عين رئيسا للمجلس الوطني الاستشاري الذي جاء لتغطية غياب مجلس النواب.

واشار عبيدات انه عندما عاد من بغداد لم يتقدم بطلب توظيف لديوان خدمة الموظفين، وكان توجهه العمل في المحاماة، وكان والده يعمل في الامن العام ضابطا، وقد احيل على التقاعد وسكن في محافظة اربد هو ووالدته واخواته.

وذكر عبيدات انه ذهب في يوم وزار رئيس محكمة البداية في مدينة اربد المرحوم الاستاذ سعيد الدرة، فاستقبله بكل ترحاب قدمت له نفسي انا فلان وخريج حقوق بغداد، وطلبت منه ان ينصحني اين اتدرب مع المحامين الممارسين في منطقة اربد، ورحب به الرجل وقال في اربد لا يوجد عدد كبير من المحامين الممتازين في ذلك الوقت، لكن هناك شخصين ارشحهما لك.

دخول عبيدات سلك المخابرات العامة

قال عبيدات انه لقد تاسست المخابرات عام 1964، وقبل ذلك كنت التحقت بجهاز الامن العام برتبة ضابط، لم يكن هناك وقتها جهاز للمخابرات، اي قبل عام 1964، وكان جهاز الامن العام حينها يضم قسما يتولى قضايا المباحث العامة كما تسمى في بعض الدول العربية.

واضاف عبيدات ان جهاز الامن العام اعلن عن وظائف لحاملي درجة القانون، وقد كان الحقوقيون يلتحقون بالامن العام وبالجيش، وفي الامن العام يلتحقون بقضاء الشرطة، او للعمل ضمن اختصاصه في اي موقع يحدد من قبل ادارة الجهاز.

واوضح عبيدات انه في عام 1962 صار ملازما اول في الامن العام، وبعدها بقليل تم تشكيل مكتب التحقيقات السياسية من الجيش والامن العام، وقد تشكل المكتب من ضباط حقوقيين اتوا من الجيش، مثل المرحوم مضر بدران الذي جاء من القضاء العسكري ومعه اديب طهبوب، ومن الامن العام جئت انا وطارق علاء الدين زميلي الذي تسلم بعدي مديرا للمخابرات، وبالفعل ذهبنا الاربعة الى مكتب التحقيقات السياسية برئاسة محمد رسول الكيلاني وكان بالامن العام.

تاسيس جهاز المخابرات العامة

بين عبيدات ان مكتب التحقيقات السياسية كان يتعامل بقضايا تحول من اي جهة امنية او رسمية او من الجيش او الاستخبارات العسكرية او من الديوان الملكي.

وذكر عبيدات انه بعد فترة من الزمن وبعدما اطلعوا على نتائج عملنا، امر الراحل الملك الحسين ان يتم تشكيل جهاز له مرجعية قانونية في البلاد، فصدر قانون المخابرات العامة سنة 1964 والذي تشكلت المخابرات العامة بموجب احكامه.

واستطرد عبيدات انه غادر الامن العام وذهب للمخابرات، وكان العاملون والمؤسسون للجهاز في ذلك الوقت من خيرة قيادة المخابرات العامة، وكان محمد رسول الكيلاني هو اول مدير للمخابرات، ومن بعده جاء مضر بدران، وبعده تسلم الجهاز نذير رشيد، ثم عاد محمد رسول مرة اخرى لفترة بسيطة، وبعده تسلمت ادارة الجهاز ومن بعدي تسلم طارق علاء الدين - رحمهم الله جميعا.

شعور عبيدات بعد حرب 1967

قال عبيدات انه في 1967 وكاي مواطن عربي، كنا الشباب الموجودين في الدائرة نشعر بالصدمة الكبرى، شعرنا بانها هزيمة وليست نكسة، هزيمة عسكرية، هزيمة سياسية، هزيمة نفسية، هزيمة اجتماعية بكل ما تعنيه الكلمة.

واضاف عبيدات انه لم يكن هناك راي للمخابرات، وكان الراي السياسي مثلا لشخصية بحجم ووزن شخصية وصفي التل، بان دخول الاردن الحرب عام 1967 هو خطا، صحيح ان وصفي لم يكن في المسؤولية، لكنه ظل قريبا من الملك ومؤثرا.

واوضح عبيدات ان الملك حسين كان يعتقد ان اسرائيل ستحتل الضفة الغربية، سواء شاركنا في الحرب او لم نشارك، وان المشاركة مغامرة قد تنجح وقد لا تنجح، طبعا الكارثة كانت اكتشاف ان الطيران المصري دمر بالكامل، والمشكلة الاكبر عندما علمنا بان هذا السلاح صار مدمرا بنصف ساعة.

اللقاء الاول مع ياسر عرفات

بين عبيدات ان الموضوع الفلسطيني عاد الى الواجهة وبدا الرهان على المنظمات الفلسطينية، وكان هذا الامر مصيريا جدا.

واشار عبيدات الى انه التقى ياسر عرفات اول مرة بعد احداث سبتمير (ايلول) 1970 (المواجهات الاردنية - الفلسطينية)، ولم يكن قد جلس معه قبل ذلك.

وذكر عبيدات انه عندما اصبح مديرا للمخابرات كان معه سائق، وقد كان هذا السائق يقود مدرعات عسكرية في الجيش العربي خلال احداث ايلول، وقد روى لي هذا السائق بانه كان يقود المدرعة التي حملت ياسر عرفات الى المطار، وقد ابلغني بان عرفات غادر متخفيا مرتديا زيا خليجيا.

تفاصيل اغتيال وصفي التل

قال عبيدات ان الخيط الغامض حتى الان في عملية اغتيال وصفي التل ان المجموعة التي اطلقت النار عليه كانت في مواجهته بمدخل الفندق، وبالتشريح الطبي اتضح ان رصاصاتها لم تكن هي التي اودت بحياته، ما اودى بحياته رصاصة قاتلة من الخلف من قناص كان في مكان اخر غير مرئي، قناص لم يعرف لليوم ولا احد يعلم من هو.

واضاف عبيدات ان وصفي ليس مغامرا، وصفي صاحب مشروع سياسي مختلف، لذلك وصفي شخصية متفردة فيما تقول وتفعل.

وبين عبيدات انه يعتقد ان قرار اغتيال وصفي التل اخذته القيادة الفلسطينية وبظنه ابو عمار كان مطلعا.

سبب اغتيال وصفي التل

اوضح عبيدات ان منظمة ايلول الاسود التي قادها واسسها ابو اياد اتهمت الشهيد وصفي التل بانه كان هو صاحب القرار في طرد بقية الفدائيين الذين تحصنوا بمناطق شجرية في محافظة جرش وعجلون شمال البلاد.

واشار عبيدات الى ان الفدائيين الموجودين في جرش اعتدوا على مركز الشرطة وقتلوا بعض افراده، وعدوان سافر في النهار امام المواطنين، كلهم فرد فعل الجيش كان عفويا بان هاجم اقرب المواقع للفدائيين، وهكذا بدات المشكلة، وفي الساعات الاولى استسلم اكبر عدد من الفدائيين وسلموا سلاحهم والباقي قاوم، هناك من قتل وهناك من فر الى الضفة الغربية بعدما انتهى الفلتان، كل الذين سلموا سلاحهم نقلوا للقاعدة الجوية في المفرق.

وذكر عبيدات ان وصفي التل رئيس حكومة ووزير دفاع، ومن ناحية ادبية اي انسان يحترم نفسه لا يستطيع ان يتخلى عن مسؤوليته الادبية بان يتحمل المسؤولية، كان من الممكن لغيره ان ينسحب ويقول انا لم اكن اعلم ولا علاقة لي، وصفي التل ضحى بنفسه وسكت.

عملية خطف عبيدات قبل احداث 1970

قال عبيدات انه تعرض لعملية خطف قبل احداث عام 1970 على يد الجبهة الشعبية ثم على يد فتح، هذه كانت شمة هواء (نزهة) ولم يحقق معه نهائيا، لم يتم سؤاله سؤالا واحدا.

واضاف عبيدات انه كان يسكن بشقة في منطقة بجبل التاج، بعد ظهر يوم من الايام، كان ينوي الخروج ومعه اسرته ومعنا شقيق زوجته طبيب في الخدمات الطبية الملكية، عند مغادرتنا واذا بسيارات مسلحة اوقفتنا واجبرتني على الدخول بسيارة فولكس فاجن، فنظرت الى شقيق زوجتي الذي كان يرتدي لباسه العسكري، وطلبت منه البقاء مع زوجتي والاولاد، فقالوا لا كمان تعال فاخذوه معي وذهبنا الى منطقة مخيم الوحدات، وبعدها بدات السيارات المسلحة المرافقة تطلق النار بالهواء ابتهاجا باعتقالي او خطفي.

واوضح عبيدات انه بعد ان وصلنا الى الوحدات واذا بنا ندخل مقر الجبهة الشعبية، تم استقبالنا هناك ولم يضايقنا احد، واستقبلنا رجل من الجبهة الشعبية كان في قمة التهذيب، جلسنا عنده بحدود الساعتين، وبعدها جاءت سيارة نقلتنا الى منطقة في جبل عمان الى بيت احد قيادات الجبهة الشعبية لا اذكر اسمه، فقدم لنا ضيافة في منزله واعتذر منا ثم طلب لنا مركبة توصلنا الى بيتي في جبل التاج.

العودة الى المخابرات بعد الخطف

بين عبيدات انه وصلت المنزل ووجدت ان جيراني الذين يسكنون بجانب بيتي المستاجر استقبلوا عائلتي واقاموا عندهم، وذهبت عندهم وبقيت حتى صباح اليوم التالي.

واشار عبيدات انه في صباح ذلك اليوم جاءت مجموعة من منظمة فتح وطلبوا مني ان ارافقهم كما طلبوا من الجار الذي استقبلني وعائلتي ان ياتي معنا وهو هاشم علي سالم، وبعد ان وصلنا الى مكان او موقع مكتب منظمة فتح، جاء رجل منهم وقال لا نريد شيئا مع السلامة، وتركونا نرحل سيرا على الاقدام دون اي اشارة الى اسباب اعتقالنا او خطفنا.

واوضح عبيدات انه عندما رجع الى المخابرات لم يفعل شيء، لانه في تلك الاحداث كانت المخابرات مثلها مثل اي مؤسسة امنية او رسمية مهددة ومستهدفة.