بين الوفاء والبيعة… الأردن عهدٌ لا يُكسر ورايةُ مجدٍ لا تنحني
كتب - أمين عام حزب الغد الأردني محمد رمضان
في ذكرى الوفاة والبيعة، لا يستعيد الأردنيون حدثًا من الماضي، بل يجدّدون معنى الانتماء، ويجددون العهد لوطنٍ تعلّم أن يكون صلبًا دون قسوة، ثابتًا دون جمود، وعظيمًا بتواضع قيادته وشعبه. هو يوم تتصافح فيه الذاكرة مع الكبرياء، وتلتقي فيه مشاعر الوفاء بوعي البيعة، في صورةٍ أردنيةٍ فريدة لا تشبه سواها.
الأردن ليس جغرافيا فحسب، بل حكاية كرامةٍ كُتبت منذ أن اختار الهاشميون أن تكون القيادة رسالة أخلاقية قبل أن تكون سلطة، وأن يكون الحكم التزامًا بالإنسان قبل أن يكون إدارةً للشأن العام. على هذه الأرض، ترسّخت معادلة نادرة: وطنٌ يحتمي بشعبه، وشعبٌ يثق بقيادته.
في ذكرى رحيل المغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، يستحضر الأردنيون سيرة قائدٍ لم يكن حاضرًا في القصور فقط، بل في القلوب والبيوت والميادين. أربعون عامًا وأكثر، صاغ خلالها مدرسةً في الحكم قوامها القرب من الناس، والإيمان بالإنسان، والتمسك بالكرامة الوطنية مهما اشتدت العواصف. كان الحسين وطنًا حين ضاقت الأوطان، وصوت عقلٍ حين ارتفع الضجيج، وبوصلة أملٍ حين التبست الاتجاهات. وبرحيله، لم يغِب، بل تحوّل إلى قيمةٍ حيّةٍ في الوعي الوطني.
وتأتي البيعة لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لتؤكد أن الأردن لا يبدأ من جديد، بل يواصل طريقه بثقة. حمل الأمانة كما تُحمل الرايات في ميادين الشرف، ومضى في مسيرة تحديثٍ واعية تدرك أن قوة الدولة في مؤسساتها، وأن مستقبلها يُبنى بالعلم والعمل وسيادة القانون. فكانت مشاريع التحديث السياسي والاقتصادي والإداري تعبيرًا عن رؤيةٍ ترى في الإنسان محور التنمية وغايتها، وفي الاستقرار قاعدةً للإنجاز لا ذريعةً للتوقف.
وسط إقليمٍ مثقل بالأزمات، بقي الأردن ثابتًا، لا لأنه محاط بالسهولة، بل لأنه محصّن بحكمة القيادة، ووعي الشعب، وتماسك الجبهة الداخلية. هنا، الأمن خيار وطني، والاستقرار إنجازٌ يومي، والاعتدال موقف لا يتغير. ومن هذا الثبات، ظل الأردن حاضرًا في قضايا أمته، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، موقفًا ثابتًا لا تحكمه المصالح الآنية، بل تحمله المسؤولية التاريخية والالتزام الأخلاقي.
إن يوم الوفاء والبيعة ليس طقسًا رسميًا، بل هو مرآة للعلاقة العميقة بين الأردنيين وقيادتهم؛ علاقة تقوم على الثقة والعمل والمواقف، لا على الشعارات. هو تجديد لعهدٍ غير مكتوب، مفاده أن الوطن مسؤولية مشتركة، وأن الراية لا تبقى عالية إلا بسواعد أبنائها وإيمانهم.
في هذا اليوم، يقول الأردني بثبات: نحن أبناء وطنٍ لم يُبنَ صدفة، ولم يستمر مجاملة. وطنٌ يعرف التعب لكنه لا ينكسر، ويواجه التحديات واقفًا، ويخرج من كل اختبار أكثر نضجًا وقوة.
هنا الأردن… وطن الوفاء الذي لا ينسى، والبيعة التي تتجدد فعلًا قبل أن تكون قولًا، والمجد الذي لا يتوقف