"مكياج" التحديث وقبح الواقع: هل تقتات المسارات من جيوب الفقراء؟
كتب ـ فايز الشاقلدي
بينما تنشغل الصالونات السياسية والقاعات المكيفة بتلميع مصطلحات "التحديث" وتنميق "المسارات الثلاثة"، يقف الأردني وحيداً على رصيف الخيبة، يحمل في جيبه فاتورة لم يعد قادراً على تهجئة أرقامها، وفي قلبه غصة من وعود تُطبخ بماء السراب.
نحن أمام مشهد سريالي ، خطابات رسمية ناعمة كالحرير، وواقع خشن كالصخر يطحن عظام الطبقة الوسطى التي كانت يوماً صمام أمان هذا الوطن.
رفاهية التنظير وجوع الميدان
لا يملك المواطن اليوم ترف الجلوس في مقاعد المتفرجين ليحلل "فلسفة الإصلاح" أو يترقب ثماراً وُعد بها في "الخطة العشرية" القادمة.
الناس لا تسأل عن مؤشرات النمو في جداول (الإكسل) الحكومية، بل تسأل سؤالاً بدائياً، موجعاً، وشرعياً: "كيف نعيش؟".
كيف يواجه الأب أسعاراً تقفز بلا كوابح، ورواتب متصلبة كأنها جثة خارج الزمن، وضرائب تداهم البيوت كزائر ثقيل لا يرحم؟ وبينما تتحدث الحكومة عن "خارطة طريق"، يكتشف المواطن أن الخريطة مرسومة ببراعة، لكن الطرق فيها غير معبّدة إلا بالألغام الاقتصادية.
مسارات "الحبر الأنيق" والجيوب المثقوبة
- اقتصادياً: يُبشروننا بالانتعاش، لكن السوق يصرخ من الكساد. .. نموٌّ يسكن الورق فقط، بينما الواقع يقول إن "جيب المواطن" بات هو المورد الوحيد لتمويل عجز الميزانية وفشل التخطيط.
- اجتماعياً: تآكلت الطبقة الوسطى حتى تلاشت، ودُفعت الفئات الهشة إلى حافة الانفجار الصامت، بينما تبتلع البيروقراطية شبكات الأمان قبل أن تصل لقمة الخبز إلى أفواه المحتاجين.
- سياسياً: يُطلب من الناس الثقة والمشاركة، وكأن الثقة تُشترى بالشعارات! الثقة يا سادة تُبنى بالعدل، وبأن يشعر المواطن أن القرار يُصنع معه، لا يُفرض عليه فوق رأسه كأمر واقع.
الإصلاح.. "فاتورة" يدفعها الضحية
المفارقة المضحكة المبكية أن الدولة تطلب من المواطن "الصبر"، وكأن الصبر بئر لا تنضب ، المواطن ليس عدواً للإصلاح، بل هو ضحيته الأولى؛ لأنه سئم أن يكون هو دائماً "كبش الفداء" في كل تجربة فاشلة، وهو الممول الوحيد لرحلات البحث عن مسارات تائهة.
لا يمكن إقناع أبٍ عاجز عن تسديد إيجار غرفته، أو أمٍّ تحصي قروش الخبز، بأن "القادم أجمل" ، فالكرامة يا حكومة لا تُبنى بالخطب العصماء، بل بالقدرة على العيش دون خوف من الغد.
إن لم تترجم هذه المسارات إلى "رغيف خبز" ميسور، و"فاتورة كهرباء" منطقية، و"كرامة" لا تُهان أمام جباة الضرائب، فستبقى مجرد "حبر أنيق على ورق ثقيل".
الأوطان يا دولة الرئيس لا تعيش بجمال الخطط، بل بصدق النتائج. وحتى يلمس المواطن أثر الإصلاح في عيشه، سيبقى كل ما يُقال مجرد ضجيج في وادٍ سحيق.