عدنان نصّار: هناااك قرب الصفصاف..

عدنان نصّار

هناك… قرب الصفصاف العجوز، جلست مريم، وجلست كما لو أن العالم كله قد توقّف، تاركًا لها الهواء والأوراق والماء ليكونوا شهودًا على صمتها.

يدها تلامس جذع الشجرة بخشوع، وعيناها تغوصان في انعكاس النهر، حيث تتشابك ألوان الغروب مع حفيف الطيور، فتشبه الحياة والحنين معًا في لحظة واحدة.

همست مريم بصوت خافت، كما لو كانت تخاطب روحها:

— هل تسمعني؟

لم يُجبها أحد سوى حفيف الصفصاف، ونبرة المياه التي تتثاقل، كأنهما يعرفان أكثر مما تجرؤ الكلمات على حمله.

مرّت دقائق طويلة، وفجأة ظهر رجل مسنّ، يخطو على الحصى بصمت يفضي إلى أسرار قديمة، وقال:

— مريم… ما الذي يجعلك تأتيين إلى هنا كل مساء؟

ابتسمت، ابتسامة نصفها ألم ونصفها فضول:

— لأني هنا شعرت لأول مرة أن شيئًا فيّ ينتمي إلى مكان ما… وأن صوتي لم يُسرق من الريح بعد.

نظر إليها ببطء، كأنه يقرأ صفحة نسيت منذ زمن طويل، ثم قال:

— صوتك؟

هزّت رأسها، وعيناها تغرقان في انعكاس الشمس على الماء:

— نعم… هنا قلتُ الكثير مما لم يُسمع. هنا بدأت أحكي لنفسي قبل أن أحكي للآخرين.

جلس بجانبها، وكان الصمت بينهما ممتدًا لكنه لم يكن ثقيلًا.

كانت كلماتها تتدفّق الآن مثل مياه النهر التي لا تعرف التوقف:

— أتذكر حين كنت صغيرة؟ كنت أختبئ خلف الصفصاف وأتحدث إلى ظلي… كنت أخاف أن أنسى شيئًا مهمًا. والآن، أخاف أن أنسى نفسي.

ضحك الرجل بخفة، لكنه كان ضحكًا محمّلًا بالحزن:

— ربما نحن جميعًا نعود إلى هذه الأماكن… لنلتقي بشظايا من كنا، أو بشظايا من حلمنا.

مدّت مريم يدها، ولمست جذع الشجرة مرة أخرى، كأنها تتعهد:

— سأبقى هنا… أحيانًا أرتدي الحزن، وأحيانًا أضحك مع الصفصاف ومع الظلال… وربما يومًا أسمع صوته.

هتف النهر، وكأنه يجيب على دعائها، ثم سكت.

ارتجفت الأوراق، وحرك النسيم خصلات شعرها، يهمس باسمها، وكأن الطبيعة نفسها تراقب سرّها.

همست مريم، وكأنها تتحدث إلى عالم آخر:

— كم من مرة أخطأت الطريق؟ وكم مرة أُجبرت على الابتعاد؟ لكن هنا… كل شيء يبدو صحيحًا، حتى لو كان مجرد وهم.

ابتعد الرجل خطوة، لكنه التفت إليها مرة أخيرة:

— ربما يجب أن تعلمي أنّه مهما ابتعدنا، بعض الأماكن تجعلنا نلتقي بذاتنا.

ابتسمت مريم له، ثم عادت تنظر إلى الصفصاف، إلى النهر، إلى المكان الذي لا يعرف إلاها وحدها:

— هنا… قرب الصفصاف… سأبقى أبحث عن كل ما أضعتُه في الحياة، وربما أجد نفسي بين صدى الماء وحفيف الأوراق…

مرت الساعات، لكن مريم لم تتحرك.

كان الصفصاف شاهدًا وصديقًا، والنهر حارسًا لصوتها الضائع، والهواء مرسلًا لرسائلها التي لم تُكتب بعد.

بدأت الشمس تغرب، وتحولت ألوان السماء إلى لوحة من برتقالي داكن وبنفسجي، فتذكر مريم طفولتها، أيام اللعب بين الأشجار، وحكايات جدتها التي كانت تقول: "الأماكن تحفظ أسرارنا إذا عرفنا كيف نستمع إليها”.

ابتسمت، وهي تفكر أن الصفصاف لم ينسَ أحدًا، وأن النهر يعرف كل الأسرار الصغيرة التي نحاول إخفاءها عن العالم.

همست لنفسها:

— كم مرة حاولت أن أنسى، وكم مرة حاولت أن أغرق في صخب المدينة؟ لكن هنا، كل شيء يصبح صريحًا… حقيقيًا… أنا حقيقية.

ارتفع نسيم خفيف، وحرك الأوراق، فتراقصت في الهواء مثل أحلام صغيرة ضائعة تبحث عن عودة.

سألت مريم نفسها بصوت أعلى قليلًا:

— هل يمكن أن نجد السلام في مكان؟ أم أن السلام يبدأ عندما نسمح لأنفسنا بالحديث مع الظلال؟

النهر أجابها بحفيف مياهه، والصفصاف أجابها بحركة أوراقه، وهكذا فهمت أن كل مكان له صوته الخاص، وأن الحكايات لا تموت، بل تنتظر من يستمع إليها.

حين حلّ الليل، جلست مريم وحدها، والنجمات تنثر ضوءها فوق الماء، شعرت بأن روحها قد ارتاحت قليلًا، كأنها وجدت قطعة من نفسها الضائعة.

همست مجددًا، وكأنها تحادث الكون كله:

— هنا… قرب الصفصاف… سأعود دائمًا، لأستمع، لأتذكر، ولأحكي… لنفسي أولًا، وللعالم ثانيًا.

وفي تلك اللحظة، شعرت أن العالم بأسره يتوقف لتصغي، ليس إليها وحدها، بل لكل من فقدوا الطريق، وكل من يبحثون عن أنفسهم، وكل من يحتاج أن يسمع صوته في صمت الطبيعة.

هناااك قرب الصفصاف، حيث تلتقي الذكريات بالحلم، والحنين بالصمت، والماضي بالحاضر، حيث يصبح الصمت كلامًا، والمكان ذاكرة حيّة، والروح مستعدة لأن تسمع نفسها أخيرًا.