الشاقلدي يكتب : مذكرات نيابية لا تقرأها إلا الأدراج

كتب _ فايز الشاقلدي 

 

   يقال إن صوت المواطن هو أساس الديمقراطية، لكن يبدو أن هذا الصوت عندنا يعاني من ضعف سمعٍ مزمن، أو ربما أُرسل كبريدٍ عادي وضاع في الطريق إلى مجلس النواب. المواطن يصرخ، يكتب، يطالب، يوقع مذكرات… والنتيجة؟ مذكرات "على الفاضي”، لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا حتى من مخالفة سير.

نفتح التلفاز فنرى نائبًا يتلو مذكرة بشيء من الحماس المسرحي، وكأنها ستغيّر مسار التاريخ، ثم تُطوى الورقة بعناية، وتُحفظ في درجٍ أنيق بجانب مذكرات سابقة تطالب بتقسيط المخالفات، وتعديل قانون السير، وعفوٍ عام، ووضع حدّ لتغوّل البنوك على المواطن الذي لم يعد يعرف إن كان يعمل ليسدد قروضه أم يسدد قروضه ليعمل.

أما المواطن، فقصته مختلفة. وضع اقتصادي مرهق، وضع اجتماعي متعب، راتب يذوب قبل منتصف الشهر، وأسعار تتسلق كأنها تشارك في ماراثون بلا خط نهاية. ومع ذلك يُطلب منه الصبر، وكأن الصبر بطاقة ائتمان بلا سقف.

الأجمل في المشهد هو موسم الانتخابات؛ ذلك الفصل الربيعي القصير الذي تزهر فيه الوعود. النائب قبل الفوز يعرف كل حارة، كل مشكلة، وكل مواطن بالاسم الثلاثي. وبعد الفوز؟ فجأة يفقد الذاكرة، وتتحول القاعدة الشعبية إلى "جهات عزيزة” لا يُرد على اتصالاتها إلا في المناسبات الوطنية.

أما الأحزاب، فحدث ولا حرج. حياة حزبية على الورق، وشعارات رنانة في المؤتمرات، لكن عند الفعل… الكل يعمل لمصلحته الشخصية، وكأن العمل الحزبي مشروع خاص لا علاقة له بالناس ولا بقضاياهم. المواطن يسأل: أين البرامج؟ أين الرؤى؟ أين الدفاع الحقيقي عن همومه؟ فيأتيه الصدى فقط.

 مجلس نواب مليء بالكراسي، وفقير بالإنجاز. مذكرات تُقرأ ولا تُنفذ، ووعود تُقال ولا تُحاسَب، ومواطن يدفع الفاتورة في كل الأحوال. وربما آن الأوان أن لا يكون صوت المواطن مجرد ديكور ديمقراطي، بل شيئًا يُسمع فعلًا… قبل أن يبحّ الصوت، ويتعب الصبر، وتبقى المذكرات شاهدًا على زمنٍ كُتبت فيه المطالب، وضاعت فيه الإجابات.